ثورة في أعماق المحيط؛ استخلاص أولى قطرات مياه الشرب من منشأة “فلوشن” تحت البحر
نجحت الشركة النرويجية الرائدة في مجال تكنولوجيا المياه، “فلوشن” (Flocean)، في إنتاج أولى كميات مياه الشرب من منشأة تحلية مياه تحت بحرية على نطاق صناعي. هذا الإنجاز الذي تحقق قبالة السواحل النرويجية، لا يعد نجاحاً تقنياً فحسب، بل يشكل نقطة تحول تجارية في تاريخ صناعة التحلية، من شأنها تغيير المفاهيم السائدة في إدارة موارد المياه بالمناطق الساحلية حول العالم بشكل كامل.
نشر نظام Flocean One على عمق 500 متر في بحر النرويج وتشغيله بكامل طاقته للاستخدامات البلدية والصناعية.
خفض هائل في استهلاك الطاقة بنسبة تتراوح بين 40 إلى 50% مقارنة بالطرق التقليدية، وذلك بالاستفادة من الضغط الطبيعي في أعماق المحيط.
إلغاء الحاجة تماماً للأراضي الساحلية وعمليات المعالجة الأولية الكيميائية، مع منع تصريف المياه المالحة (الرجيع) في البيئات الضحلة الحساسة.
تأكيد إمكانية تنفيذ أكثر من 15 مشروعاً مشابهاً in مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك جزر المالديف والنرويج.
أنتجت شركة Flocean النرويجية، العاملة في مجال التقنيات البحرية، أول مياه شرب لها من منشأة تحلية تحت بحرية على نطاق صناعي. وتصف الشركة هذا الإنجاز بأنه محطة رئيسية كبرى في تحويل تكنولوجيا تحلية المياه في أعماق البحار إلى قطاع تجاري.
وتعمل كبسولة التحلية Flocean One المستقرة في عمق 500 متر قبالة السواحل الغربية للنرويج وبالقرب من منطقة “مونغستاد”، بكامل طاقتها الآن، حيث تنتج المياه العذبة للاستخدامات البلدية والصناعية المحتملة. ووفقاً للشركة، فإن هذا النجاح يثبت أنه بعد عقود من البحث والتطوير، أصبحت التحلية تحت البحر جاهزة للاستغلال على نطاق صناعي.
وأعلنت فلوشن أن هذا المشروع قد أثبت جدوى هذا التوجه من الناحيتين الفنية والاقتصادية معاً. ويوجد حالياً أكثر من 15 مشروعاً آخر في مراحل التطوير، تشمل التعاون مع بلدية “ألفير” في النرويج وشركة WaterConnect في جزر المالديف.
وصرح ألكسندر فوغلسانغ، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Flocean، قائلاً: “لعقود طويلة، كانت التحلية تحت البحر مجرد فكرة تعد بتغيير البنية التحتية للمياه. واليوم، تحولت هذه الفكرة إلى إنتاج لمياه الشرب على نطاق صناعي عبر شراكات مضمونة.
إنها نقطة تحول للمناطق والصناعات التي تواجه أزمة مياه مزمنة. إن الوصول إلى مياه عذبة موثوقة لم يعد يتطلب الاختيار بين استغلال الأراضي الساحلية وحماية البيئة؛ بل إننا نوفر الاثنين معاً”.
وتعمل تكنولوجيا هذه الشركة في أعماق تتراوح بين 400 إلى 700 متر، وتستغل الضغط الطبيعي للمحيط لدفع عملية التناضح العكسي. وتدعي فلوشن أن هذه الطريقة تخفض استهلاك الطاقة بنسبة 40 إلى 50% مقارنة بمحطات تحلية المياه الساحلية التقليدية. وقد صُمم نظام Flocean One لإنتاج ما يصل إلى مليون لتر من المياه العذبة يومياً، وهو ما يعادل احتياجات نحو 6000 أسرة. كما أكدت الشركة أن النظام المذكور يمنع التداخل مع استخدامات الأراضي الساحلية، ويلغي الحاجة إلى المعالجات الكيميائية الأولية وتصريف المياه شديدة الملوحة في البيئات البحرية الضحلة. ومن المتوقع أن يدعم التشغيل الناجح هذه المنشأة التوسع التجاري الإضافي لهذه التكنولوجيا.
وقال سيفان زامير، رئيس قسم الابتكار والمنتجات في شركة Xylem: “إن أول مياه يتم إنتاجها تتجاوز كونها مجرد إنجاز فني؛ بل هي إثبات تشغيلي ضروري لدفع المشروعات من مرحلة المفهوم إلى مرحلة التطوير. ومع انتقال فلوشن نحو مشروعات تجارية متعددة، سنشهد اهتماماً متزايداً من المناطق التي تحتاج إلى بنية تحتية جديدة للمياه العذبة ولكنها لا تستطيع التكيف مع طرق المعالجة التقليدية. إن هذا الإنجاز يعزز ثقة العملاء في إمكانات التحلية تحت البحر، ويعد خطوة هامة نحو النشر على نطاق واسع”.
إن تطوير هذه الطريقة يعد في الواقع تجسيداً للتوقعات التي تناولناها سابقاً في تقرير تكنولوجيات تحلية المياه: عشرون ألف فرسخ تحت الماء، حيث تحولت الآن من مجرد فكرة إلى واقع صناعي. ويتماشى هذا التحول تماماً مع ما طُرح في توقعات 2026: تحول تكنولوجيا المياه؛ حيث تزحزح الابتكارات غير الخطية حدود إمدادات المياه. وبالنظر إلى أن العالم يقف على شفا الإفلاس المائي، فإن مثل هذه القفزات تعد حيوية للحفاظ على الأمن المائي للمجتمعات. كما يمكن لهذا النهج الوحدوي والموفر للطاقة أن يشكل إجابة على مفارقة الأمن المائي في المناطق الجافة التي تبحث عن أعلى مستويات الكفاءة.
تحليل خاص من فريق مركز رؤى المياه (Water Insight Hub)
إن نجاح مشروع فلوشن في النرويج يفتتح عملياً حقبة جديدة في حوكمة المياه والهندسة البحرية. هذه التكنولوجيا التي نسميها “الاستخراج الهيدروستاتيكي”، تستهدف العقبة الأكبر أمام توسع تحلية المياه عالمياً وهي “كثافة الطاقة”. وفي حين يبلغ معدل استهلاك الطاقة في أفضل محطات التناضح العكسي الساحلية حوالي 3 كيلوواط ساعة لكل متر مكعب، فإن نقل العملية إلى عمق 500 متر واستخدام ضغط عمود الماء يخفض هذا الرقم إلى النصف. وهذا يعني خفضاً مباشراً للبصمة الكربونية في إنتاج المياه وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وهو ما كان أحد المحاور الرئيسية في أخبار المياه خلال السنوات الأخيرة.
إن الأثر العالمي لهذا الإنجاز يتمثل في فتح آفاق إمدادات المياه للجزر الصغيرة والدول الأرخبيلية مثل جزر المالديف، التي تواجه نقصاً حاداً في الأراضي اللازمة لإنشاء محطات معالجة ضخمة. ومن ناحية أخرى، يعد نقل المنشآت إلى الأعماق خطوة كبيرة نحو العدالة البيئية؛ إذ إن تصريف المياه المالحة في التيارات المحيطية العميقة يقلل إلى الحد الأدنى من الآثار المدمرة على الأنظمة البيئية الساحلية الحساسة. ويرتبط هذا الموضوع مباشرة بالمعايير الحديثة للمعالجة المستدامة وحماية البيئة البحرية. وفي الواقع, تعد هذه التكنولوجيا مكملة للمسارات التي تم اتباعها في إنشاء محطات التحلية تحت الأرض في سنغافورة للإدارة المثلى للمساحات.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي، سيكون الدور المستقبلي لهذه الأنظمة في الإدارة عن بُعد وتحسين أداء الكبسولات تحت البحر. إن الصيانة التنبؤية باستخدام المستشعرات المتقدمة ونماذج التعلم الآلي هي السبيل الوحيد لضمان استمرارية العمل تحت الضغط العالي في أعماق البحار. وستصبح هذه التكنولوجيا قريباً جزءاً لا يتجزأ من شبكات “إنترنت المياه” حيث تُدار عملية إنتاج المياه بشكل غير مركزي ومستقل؛ على غرار ما تم التنبؤ به في تكنولوجيا المياه 2030 والانتقال إلى الأنظمة الذكية.
وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (منطقة مينا)، يمكن أن تشكل هذه التكنولوجيا “نقطة تحول استراتيجية” (Game Changer) في المناطق الساحلية ذات الأعماق الكبيرة والمناسبة القريبة من الشواطئ، مثل بعض السواحل المطلة على البحار المفتوحة والمحيطات في المنطقة. ونظراً للعمق المناسب للمياه على مسافات قصيرة من البر، فإن استخدام الكبسولات تحت البحر يمكن أن يعوض التكاليف الباهظة لنقل المياه من خلال خفض تكاليف الإنتاج الأولية. وهذا الموضوع يمثل حلاً فنياً متاحاً للاختلالات الهيكلية في السياسات المائية الكلية ومواجهة كفاءة الاستثمار التي طالما انتقدتها التقارير الإقليمية. علاوة على ذلك، فإن الأمن المادي للبنية التحتية في قاع البحر أعلى بكثير من المنشآت الساحلية، مما يمنحها ميزة استراتيجية للأمن المائي القومي.
وفي الختام، يرى مركز رؤى المياه (Water Insight Hub) أن نهج “إخفاء البنية التحتية” هذا سيحل التناقض الأزلي بين التنمية الصناعية والحفاظ على البيئة. نحن على أعتاب زمن لن يحتاج فيه إنتاج المياه العذبة إلى مداخن وهياكل خرسانية ضخمة على الخط الساحلي؛ بل إن مستقبل المياه يصاغ في صمت وضغط أعماق المحيط، ليحتوي أزمة المياه بأدوات مبتكرة. كما يمكن لهذا التقدم أن يسهم بشكل كبير في تحسين مؤشرات إدارة الطلب في المناطق الحرجة.