الابتكار في كشف التسربات: دمج الذكاء البيولوجي وتقنيات الأقمار الصناعية
في عالم اليوم الذي يواجه تحديات جسيمة تتعلق بنقص المياه، أصبح استخدام أساليب مبتكرة للحفاظ على هذا الشريان الحيوي ضرورة أكثر من أي وقت مضى. قامت شركة “بورتسموث ووتر” (Portsmouth Water) في خطوة مثيرة ومبتكرة، باستخدام كلاب مدربة خصيصاً لكشف التسربات لتحديد التسربات الخفية في شبكة إمدادات المياه. هذا النهج، الذي يجمع بين القدرات البيولوجية والإدارة الحديثة، يعكس أهمية إيجاد حلول تشغيلية للحد من هدر المياه.
أحد أحدث أعضاء هذا الفريق المكون من أربعة أرجل هو الكلب “كيلو” (Kilo)، الذي تمكن في يومه الثاني من العمل فقط من تحديد تسرب بنجاح في أنبوب رئيسي بقطر 18 بوصة بالقرب من منطقة تشيتشستر (Chichester).
مع اقتراب الأشهر الباردة من العام، تزداد احتمالية حدوث تسربات في أنابيب المياه بشكل ملحوظ. ويعود ذلك إلى انكماش وتمدد الأنابيب الناتج عن التغيرات السريعة في درجات الحرارة، مما يؤدي إلى حدوث تصدعات وكسور في خطوط النقل. ومن خلال اتخاذ نهج استباقي واستخدام أساليب مبتكرة، تسعى شركة “بورتسموث ووتر” إلى استباق هذه التحديات الموسمية. وفي هذا الصدد، تلعب كلاب التتبع الآن دوراً حيوياً وهاماً في استراتيجيات الشركة. هذه الخطوة ليست مجرد إجراء تشغيلي، بل هي رسالة مهمة للمتخصصين في قطاع المياه والمهتمين بأخبار المياه بأن الحلول التقليدية وحدها لا تلبي احتياجات اليوم.
تسعى الفرق المتخصصة في جميع أنحاء العالم باستمرار إلى إيجاد طرق تزيد من السرعة والدقة في العمليات الميدانية. ولمتابعي مركز روی المیاه (Water Insight Hub) الذين يبحثون عن أحدث الأساليب في حوكمة المياه وصيانة البنية التحتية، فإن هذا الخبر يعد نموذجاً ممتازاً للجمع بين الطبيعة والصناعة. إن استخدام الكلاب المدربة إلى جانب المعدات المتقدمة يظهر أن الأمن المائي لا يقتصر فقط على بناء السدود أو المشاريع الكبرى، بل إن الإدارة الدقيقة لشبكة التوزيع ومنع هدر المياه المعالجة جزء لا يتجزأ من إدارة موارد المياه المستدامة.
النقاط الرئيسية للخبر
- استخدام كلاب مدربة للتعرف على رائحة الكلور واكتشاف تسربات المياه الخفية.
- إصلاح حوالي 400 تسرب خلال العامين الماضيين بمساعدة تقنية الأقمار الصناعية من قبل “بورتسموث ووتر”.
- تغطية 45% من الشبكة بأجهزة التسجيل (Loggers) وإصلاح أكثر من 1100 تسرب منذ عام 2022 وحتى الآن.
- برنامج استثماري لمدة خمس سنوات لـ خفض هدر المياه بنسبة 15% بحلول عام 2030.
- الجمع بين الأساليب البيولوجية (الكلاب) والتقنيات المتقدمة (الأقمار الصناعية والصوتيات) لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة.
دور كلاب التتبع في التحديد الدقيق للتسربات
تُعتبر كلاب التتبع المدربة خصيصاً للكشف عن رائحة الكلور الضعيفة أداة قوية في ترسانة إدارة موارد المياه. الكلور، الذي يُستخدم بكميات صغيرة جداً وآمنة لتنقية مياه الشرب، له رائحة مميزة يصعب على البشر تمييزها، لكن كلاباً مثل “كيلو” يمكنها تتبعها بدقة مذهلة. تتيح لها هذه القدرة العثور على الموقع الدقيق لتسرب المياه المعالجة. هذه الطريقة فعالة ومفيدة بشكل خاص في المناطق الريفية أو الأماكن التي يصعب الوصول إليها وحيث قد تكون التقنيات التقليدية بطيئة أو صعبة.
قد يبدو استخدام الحيوانات في العمليات الصناعية تقليدياً للوهلة الأولى، ولكن في الواقع، لا تزال حاسة الشم لدى الكلاب تعمل بدقة وسرعة أكبر من العديد من المستشعرات الكيميائية المتاحة. في المناطق التي تعيق فيها تضاريس الأرض أو الغطاء النباتي الرؤية المباشرة أو استخدام المعدات الثقيلة، يمكن للكلاب مراقبة مساحات شاسعة بسرعة. ويمثل هذا ميزة تشغيلية كبيرة لشركات المياه والصرف الصحي التي تتعامل مع كيلومترات من خطوط الأنابيب في المناطق النائية، مما يساهم بشكل كبير في تقليل زمن هدر المياه.
بالإضافة إلى كلاب التتبع، تستثمر “بورتسموث ووتر” في مجموعة واسعة من التقنيات الجديدة لتحديد وإصلاح التسربات، بما في ذلك تكنولوجيا المياه القائمة على الأقمار الصناعية. يمكن لصور الأقمار الصناعية تسليط الضوء على المناطق الجوفية المشبعة بمياه الشرب المعالجة؛ وهو أمر يشير إلى تسرب الأنابيب في تلك النقطة. هذه القدرة تسمح للفرق التشغيلية بتحديد مواقع التسربات وإصلاحها بسرعة وكفاءة عالية.
دمج تقنيات الأقمار الصناعية والصوتيات للمراقبة الذكية
تعد تكنولوجيا الأقمار الصناعية، باعتبارها أحد أركان تكنولوجيا المياه، تحولاً هائلاً في مراقبة شبكات المياه. وقد مكنت هذه التكنولوجيا شركة “بورتسموث ووتر” من إصلاح حوالي 400 تسرب خلال العامين الماضيين. تخطط الشركة الآن لدمج هذه التكنولوجيا مع العمل الميداني لكلاب التتبع لتتمكن من تحديد مواقع هذه التسربات بدقة وبأقصى سرعة وكفاءة ممكنة. إن دمج البيانات الضخمة (Macro) الناتجة عن الأقمار الصناعية مع الدقة المجهرية (Micro) الناتجة عن حاسة شم الكلاب، يقدم نموذجاً من تآزر الأدوات الذي يمكن أن يكون نموذجاً لشركات المياه الأخرى في العالم.
بالإضافة إلى الأقمار الصناعية والكلاب، استثمرت “بورتسموث ووتر” أيضاً في أجهزة تسجيل صوتية (Acoustic Loggers) جديدة. تحدد هذه الأجهزة الأصوات الناتجة عن التسربات عبر الشبكة. تستخدم الشركة حالياً هذه الأجهزة لمراقبة 45% من شبكتها، وقامت منذ عام 2022 بإصلاح أكثر من 1100 تسرب تم تحديدها بواسطة هذه التكنولوجيا. تتعلم أجهزة التسجيل الجديدة الأصوات المعتادة للشبكة وتصبح أكثر حساسية في اكتشاف أي تغيير. يجب أن تسمح هذه الميزة لـ “بورتسموث ووتر” بتحديد التسربات ذات الصوت المنخفض؛ وهي التسربات التي يكون حجم المياه الخارجة منها في بعض الحالات أكبر من التسربات التي تنتج ضوضاء أكثر.
وصرح “بوب تيلور” (Bob Taylor)، الرئيس التنفيذي لشركة “بورتسموث ووتر”، بشأن هذه الاستراتيجيات الحديثة:
«يتوقع عملاؤنا بحق أن نقلل من تسرب المياه، ونحن ملتزمون تماماً بتلبية هذا التوقع. خلال السنوات الخمس المقبلة، سننفذ أكبر برنامج استثماري لدينا والذي سيشهد خفضاً بنسبة 15% في تسرب المياه بحلول عام 2030، مما سيؤدي إلى توفير 3 ملايين لتر إضافية من المياه يومياً. إن استخدام كلاب تتبع مدربة خصيصاً مثل كيلو، إلى جانب التقنيات المبتكرة مثل الأقمار الصناعية وأجهزة التسجيل الصوتية الجديدة، يساعدنا على العثور على التسربات بشكل أسرع وإصلاحها في وقت أقرب. هذا الأمر يكتسب أهمية بالغة خاصة مع التوجه نحو الأشهر الأكثر برودة وفصل الشتاء حيث تؤدي درجات الحرارة المنخفضة وتجمد الأنابيب إلى المزيد من الكسور.»
تجدر الإشارة إلى أن كلاب كشف التسربات يتم توفيرها من قبل شركة CAPE SPC المتخصصة في مجال كشف تسربات المياه والفحوصات القائمة على مساعدة الكلاب. هذا التعاون الخارجي يظهر أن شركات المياه لا تحتاج إلى امتلاك كافة التخصصات داخل مؤسساتها، بل يمكنها الوصول إلى أعلى مستويات الكفاءة من خلال الاستعانة بمقاولين متخصصين.
تحليل خاص من فريق مركز روی المیاه (Water Insight Hub)
إن خبر استخدام كلاب كشف التسربات إلى جانب تقنيات الأقمار الصناعية والصوتيات، يحمل رسائل هامة جداً للمتخصصين في مجال إدارة موارد المياه والأمن المائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA). النقطة الأولى ذات الأهمية هي الانتقال من النهج أحادي البعد إلى الحلول الهجينة (Hybrid Solutions). في منطقة تعاني من إجهاد مائي حاد وتحديات جغرافية معقدة، يظهر نموذج “بورتسموث ووتر” أن النموذج الأكثر كفاءة هو الذي يكمل فيه “البيولوجيا” (الكلب)، و”الفيزياء” (الصوتيات)، و”الفضاء” (الأقمار الصناعية) بعضها البعض. بالنسبة لدول منطقة MENA التي تمتلك مناطق صحراوية واسعة وشبكات مياه متهالكة في المدن القديمة، يمكن لهذا النموذج المتكامل أن يكون حلاً فعالاً للغاية.
النقطة الثانية هي الأهمية الحيوية لتقليل المياه غير المحصلة (Non-Revenue Water) في موضوع حوكمة المياه الإقليمية. ففي العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تتجاوز نسبة هدر المياه في شبكات التوزيع 30% وفي بعض الحالات 50%. إن الاستثمار في كشف التسربات الذكي ليس تكلفة، بل هو أسرع وسيلة لـ “إنتاج” مياه افتراضية. كل لتر من المياه يتم منعه من التسرب يعادل لتراً من المياه الجديدة التي لا تحتاج إلى تحلية مياه البحر المكلفة أو بناء سدود جديدة ذات آثار بيئية. إن استخدام كلاب التتبع في الأحياء التاريخية المزدحمة في مدن مثل القاهرة أو بغداد أو مراكش، حيث يصعب إجراء حفريات واسعة، يمكن أن يكون مشروعاً ريادياً مبتكراً.
النقطة التحليلية الثالثة والأكثر أهمية هي دور البيانات والذكاء الاصطناعي في مستقبل تكنولوجيا المياه في منطقة MENA. إن إشارة الخبر إلى أن أجهزة التسجيل الصوتية “تتعلم الأصوات المعتادة للشبكة” تعني دخول تعلم الآلة (Machine Learning) في العمليات الميدانية. بالنسبة لـ مركز روی المیاه (Water Insight Hub)، يشير هذا التوجه إلى مستقبل يتم فيه تأمين الأمن المائي عبر الخوارزميات والمستشعرات. نوصي الحكومات والشركات الناشئة في المنطقة بالتحرك نحو توطين أجهزة التسجيل الذكية وتدريب كلاب كشف التسربات (التي تكلفتها أقل بكثير من المعدات المستوردة) لتعزيز مرونة المدن العربية وبقية دول المنطقة في مواجهة التوترات المائية المتزايدة.
انقر هنا لقراءة المصدر الأصلي للخبر.