ثورة تكنولوجية في قطاع المياه في إيران؛ من التنبؤ الذكي بالفيضانات بنماذج سويسرية إلى تحلية المياه بالنانو بكفاءة تصل لـ 93%
في العصر الحالي، تتطلب المواجهة بين «أزمات المياه القصوى» مثل الفيضانات المدمرة و«النقص الحاد في الموارد المائية» حلولاً تتجاوز الأساليب التقليدية. يؤمن مركز رؤى المياه دائماً بأن دمج التقنيات الناشئة مع المعرفة المحلية هو المفتاح لحل المعضلات المعقدة لحوكمة المياه. في هذا التقرير الشامل، نستعرض إنجازين علميين كبيرين نُشرا مؤخراً في وكالة مهر للأنباء. الخبر الأول بعنوان «التنبؤ بالفيضانات بتقنية تعلم الآلة؛ تنفيذ مشروع سويسري رائد في إيران» بقلم شبنم درخشان، يتناول تعاوناً دولياً ناجحاً لسد الفجوة البياناتية في إدارة الفيضانات. والخبر الثاني بعنوان «باحثون إيرانيون يرفعون كفاءة تحلية المياه بالطاقة الشمسية إلى 93%» بقلم مهتاب جابوك، يروي تقدماً مذهلاً في مجال إزالة الملوحة باستخدام الطاقة المتجددة. إن دمج هذين النهجين يقدم صورة واضحة لقدرة المتخصصين في قطاع المياه على تعزيز الأمن المائي.
النقاط الرئيسية والإنجازات المحورية
- تصميم النماذج الذكية «سياوش» و«فرهاد»: استخدام تعلم الآلة (Machine Learning) للتنبؤ بالفيضانات في المناطق التي تفتقر إلى البيانات الهيدرولوجية.
- توطين المعايير السويسرية: صياغة مبادئ توجيهية لخرائط مخاطر الفيضانات بناءً على التعاون بين جامعة خواجه نصير الطوسي وجامعة العلوم التطبيقية في رابرزويل (OST).
- تحطيم الأرقام القياسية في كفاءة التحلية: تحقيق كفاءة بنسبة 93.5% في محطات تحلية المياه الشمسية عبر تعديل أسطح الأغشية البوليمرية.
- تكنولوجيا النانو في خدمة المياه: استخدام جسيمات الكربون النانوية وتغيير هيكل أغشية PVDF لزيادة امتصاص الضوء ومقاومة التبلل.
- تشخيص أخطاء التخطيط الحضري: تحليل دقيق لخرائط المخاطر في منطقة “بلدختر” وإثبات وجود أخطاء فادحة في تحديد مواقع المنشآت الحضرية مقابل الفيضانات.
- الاستدامة ضد الملوثات: إنتاج أغشية ذات سطح “كاره لكل شيء” (Omniphobic) مقاومة للمواد الفعالة سطحياً ولها عمر تشغيلي طويل.
الإدارة الذكية للفيضانات؛ سد الفجوة بين المعرفة والتنفيذ بنماذج سويسرية-إيرانية
أحد التحديات الجوهرية والمزمنة في هيكلية حوكمة المياه، هو وجود فجوة عميقة بين المعرفة الفنية المنتجة في الجامعات والعمليات التشغيلية لرسم السياسات وصنع القرار الحضري. أدى هذا الانفصال إلى بقاء الكثير من الأبحاث القيمة مجرد توصيات نظرية حبيسة الأدراج. وفي هذا السياق، تم تعريف صياغة أدلة محلية لإعداد خرائط مخاطر الفيضانات كأحد المحاور الرئيسية للتعاون الدولي، بهدف إدخال الخبرة المتخصصة في دورة صنع القرار في البلديات ومنظمات إدارة الأزمات.
محمد جواد أستاد ميرزا تهراني، مدير مختبر أبحاث المياه (Water Matters Laboratory) بجامعة خواجه نصير الطوسي التكنولوجية، أوضح في حديثه لوكالة مهر دوافع هذا المشروع، مشيراً إلى تجربته الشخصية مع فيضانات عام 2019:
«الحقيقة هي أن دافعي الرئيسي للدخول الجدي في موضوع خرائط مخاطر الفيضانات كان وقوع فيضانات عام 2019 في آق قلا وبلدختر؛ وهي الفيضانات التي تزامنت مع عودتي إلى البلاد، حيث واجهنا تداعياتها عن قرب.»
أظهرت التحليلات الأولية أن حالة خرائط الفيضانات كانت مقلقة للغاية. فمن بين أكثر من 72 ألف كيلومتر من الأنهار، كان هناك حوالي 2000 كيلومتر فقط تمتلك خرائط تقسيم مناطق. والأكثر أسفاً هو أن الخرائط الموجودة لم تُعد بشكل منهجي، مما جعلها غير صالحة للتحول إلى خرائط مخاطر لإدارة الأزمات. هذا الفراغ العلمي أدى إلى تشكيل مشروع استراتيجي مشترك مع جامعة (OST) في زوريخ بسويسرا.
توطين المعايير وتشخيص كارثة “بلدختر”
أظهر الفريق البحثي، باستخدام الأدلة السويسرية المعتبرة ومع مراعاة المقتضيات الإدارية والمحلية، دليلاً شاملاً لإعداد خرائط المخاطر. تم تنفيذ هذا الإطار بشكل تجريبي في منطقتين مختلفتين تماماً: منطقة “آق قلا” السهلية ومنطقة “بلدختر” الجبلية. وأثبتت النتائج إمكانية الانتقال من الوثائق النظرية إلى أدوات صنع القرار العملياتية.
وصف أستاد ميرزا تهراني نتائج التحليل في مدينة بلدختر بأنها صادمة؛ حيث أظهرت التحليلات أن المباني والمنشآت الحيوية قد أقيمت بالضبط في النقاط ذات المستوى الأعلى من مخاطر الفيضانات. وهذا يثبت كيف يؤدي غياب الخرائط الملزمة إلى جعل التنمية الحضرية عاملاً مشدداً للخسائر. وقد فاز هذا المشروع بلقب المشروع المختار من قبل مكتب التعاون العلمي السويسري (Swiss Leading House).
ظهور النماذج الذكية «سياوش» و«فرهاد»
أسفرت هذه الجهود عن تصميم ونمذجة نظامين ذكيين هما «سياوش» و«فرهاد»، يعتمدان على تعلم الآلة (Machine Learning) والتعلم العميق (Deep Learning)، مما يسمح بإنتاج خرائط مخاطر موثوقة حتى في الأحواض التي تعاني من نقص حاد في البيانات.
انقلاف في تحلية المياه؛ كفاءة 93% بتقنية النانو
في جانب آخر من جبهة تكنولوجيا المياه، نجح باحثون في جامعة أصفهان للتكنولوجيا في تسجيل رقم قياسي جديد بكفاءة تحلية المياه بالطاقة الشمسية. يعتمد هذا الإنجاز على تعديل هيكل أغشية (PVDF) وإضافة جسيمات الكربون النانوية، مما أدى إلى خلق سطح مسامي يمتص ضوء الشمس بفعالية ويحوله إلى حرارة لتبخير المياه.
تعد هذه التقنية، المعروفة باسم «التقطير الغشائي الضوئي الحراري في الفراغ» (PVMD)، مساراً متقدماً لتأمين المياه العذبة بشكل مستدام. وتتميز الأغشية المطورة ليس فقط بكفاءتها العالية، بل بقدرتها على الصمود أمام الملوثات الكيميائية لمدة 540 دقيقة دون أي انخفاض في الكفاءة.
أظهرت النتائج المختبرية أنه كلما كان السطح أكثر خشونة ومسامية، كان امتصاص الضوء وانتقال الجزيئات أفضل. فعلى سبيل المثال، سجل غشاء بمسامية 32.6% كفاءة تبخير مذهلة بلغت 93.5%، مقارنة بالأغشية العادية التي لم تتجاوز كفاءتها 60.7%.
تحليل خاص من فريق Water Insight Hub – مركز رؤى المياه لمنطقة MENA
إن دمج هذين الخبرين يحمل رسالة واضحة لصناع القرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA): «الانتقال من الهياكل الخرسانية إلى الهياكل القائمة على المعرفة». إن منطقة MENA تمر بنقطة تاريخية لم تعد فيها الحلول التقليدية القائمة على بناء السدود فقط قادرة على مواجهة أزمات المياه المعقدة.
أظهر مشروع التنبؤ بالفيضانات أن المشكلة في منطقتنا ليست دائماً نقص البنية التحتية، بل غياب «الرؤية المعتمدة على البيانات». إن استخدام الذكاء الاصطناعي ونماذج مثل “سياوش” و”فرهاد” يبشر بعصر تكون فيه “البرمجيات” مقدمة على “الأجهزة”، مما يحول إدارة الفيضانات من رد فعل بعد الكارثة إلى استباق ووقاية.
من ناحية أخرى، يعد إنجاز تحلية المياه بالنانو رداً مباشراً على تحدي الأمن المائي والغذائي في دول المنطقة التي تعاني من ندرة المياه وتتمتع بوفرة شمسية. إن تحقيق كفاءة 93% باستخدام الطاقة الشمسية يغير معادلة التكلفة والعائد لصالح البيئة والاقتصاد، ويسمح بـ «لامركزية» تأمين المياه، بحيث يمكن تحويل المياه المالحة إلى مياه شرب في أي نقطة مشمسة بعيدة دون الحاجة لشبكات نقل مكلفة.
في الختام، يرى مركز رؤى المياه أن توطين هذه التقنيات وتطويرها بما يتناسب مع مناخ وتحديات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو السبيل الوحيد لإنقاذ المنطقة من “الإفلاس المائي” في العقد القادم.
هذه النماذج هي أدوات برمجية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، طورها باحثون إيرانيون. مهمتها الأساسية هي التنبؤ بسلوك الفيضانات وإعداد خرائط المخاطر في المناطق التي تفتقر إلى محطات القياس الهيدرومتري والبيانات التاريخية الدقيقة. تتعلم هذه النماذج من أنماط المناطق المشابهة والبيانات المتاحة لتحديد المناطق عالية المخاطر بدقة، مما يساعد مديري المدن على اتخاذ قرارات تمنع البناء في النطاقات الجغرافية الخطرة.
بناءً على الأبحاث التي أجريت بالتعاون مع جامعات سويسرية، تبين أن التنمية الحضرية في مدينة بلدختر تمت دون مراعاة لخرائط مخاطر الفيضانات العلمية. وتظهر التحليلات أن المباني والبنية التحتية الحيوية في المدينة قد أقيمت بالضبط في المسارات الرئيسية لجريان السيول وفي نقاط ذات مستوى خطر مرتفع جداً. هذا الخلل في التخطيط أدى إلى وقوع خسائر فادحة خلال فيضانات عام 2019، وهي خسائر كان من الممكن تجنبها لو تم اعتماد التوزيع العمراني الصحيح.
تقنية (Photothermal Vacuum Membrane Distillation) أو “التقطير الغشائي فوتوترمال في الفراغ”، هي طريقة تعتمد على الطاقة الشمسية لتسخين المياه وتحويلها إلى بخار، حيث يمر البخار عبر غشاء خاص تاركاً خلفه الأملاح والشوائب. الميزة الرئيسية للإنجاز الذي حققه الباحثون الإيرانيون هي استخدام جسيمات الكربون النانوية وتعديل سطح الغشاء، مما رفع كفاءة تحويل الضوء إلى حرارة لإنتاج المياه العذبة إلى أكثر من 93%، وهو رقم قياسي عالمي غير مسبوق.
نعم. فيما يخص نماذج التنبؤ بالفيضانات، فقد تم تنفيذ المشروع بنجاح كمشروع تجريبي في منطقتين متباينتين (آق قلا وبلدختر)، وهو جاهز للتعميم على المستوى الوطني. أما بالنسبة لمحطات تحلية المياه بتقنية النانو، فإن الاستقرار العالي للأغشية ضد الملوثات وعدم حاجتها لمعدات ضغط عالٍ معقدة (على عكس تقنية التناضح العكسي)، يجعلها مثالية للاستخدام في المقاييس الصناعية والمحلية، لا سيما في المناطق النائية والمشمسة.