اليوم العالمي للأراضي الرطبة 2026: تآزر المعرفة التقليدية ودبلوماسية الأراضي الرطبة في الإدارة المستدامة لموارد المياه
في الثاني من فبراير من كل عام، يضع “اليوم العالمي للأراضي الرطبة” أحد أكثر النظم البيئية استراتيجية وفي الوقت نفسه عرضة للتهديد لاستدامة كوكب الأرض على جدول الأعمال الدولي. هذا الإطار التذكاري، المعترف به رسمياً كيقوم عالمي من قبل الأمم المتحدة منذ عام 2022، أصبح أداة متسقة لرفع الوعي العالمي حول دور الأراضي الرطبة في الأمن المائي، والقدرة على مواجهة التغير المناخي، ورفاهية الإنسان.
في عام 2026، يتخذ هذا الاحتفال طابعاً خاصاً تحت شعار “الأراضي الرطبة والمعرفة التقليدية: صون التراث الثقافي”. ووفقاً لاتفاقية الأراضي الرطبة (رامسار)، يسعى هذا النهج إلى تسليط الضوء على الروابط التاريخية بين الأراضي الرطبة والمجتمعات التي تعتمد عليها وأنظمة المعرفة التي ساهمت في حمايتها عبر الأجيال، وسط ضغوط متزايدة على إدارة موارد المياه. ومن منظور شمولي، يمكن لهذا النهج أن يوفر ركيزة جديدة لدبلوماسية الأراضي الرطبة وتقليل النزاعات المائية.
يبرز موضوع هذا العام الروابط التاريخية بين الأراضي الرطبة والمجتمعات المرتبطة بها وأنظمة المعرفة التي ساعدت في الحفاظ عليها.
النقاط الرئيسية
- التركيز الاستراتيجي لعام 2026: التأكيد على الدور الحيوي للمعرفة التقليدية والتراث الثقافي في الحفاظ على التوازن البيئي واستدامة الأراضي الرطبة.
- البنية التحتية الطبيعية: تعمل الأراضي الرطبة كدروع دفاعية ضد الكوارث الطبيعية، ومنظم لدورة المياه، ومخازن هائلة للكربون.
- القيمة الاقتصادية والاجتماعية: توليد منافع اقتصادية سنوية تصل إلى 39 تريليون دولار وتأمين سبل العيش لأكثر من مليار شخص.
- التهديدات المتزايدة: فقدان الأراضي الرطبة بمعدل مقلق قدره 0.52% سنوياً، مما يشكل تهديداً خطيراً للأمن المائي العالمي.
- الحوكمة التشاركية: ضرورة دمج المعرفة الأصلية للمجتمعات المحلية مع الاستراتيجيات العلمية وتكنولوجيا المياه للإدارة التكيفية.
- رؤية مركز رؤى المياه: ضرورة إعادة تعريف دبلوماسية الأراضي الرطبة بناءً على القواسم الثقافية المشتركة والمعرفة المحلية لحل أزمة المياه.
الأراضي الرطبة كبنية تحتية طبيعية ضرورية لدورة المياه
تغطي الأراضي الرطبة مساحة تزيد عن 12.1 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل 6% تقريباً من مساحة اليابسة على الأرض، وتُعد من أكثر النظم البيئية إنتاجية في العالم. وتميز اتفاقية رامسار بين الأراضي الرطبة العذبة والمالحة، الداخلية أو الساحلية، الطبيعية أو الاصطناعية، والدائمة أو المؤقتة، والتي تتسم جميعها بالدور المحوري للمياه كعامل منظم للبيئة والحياة.
تؤدي هذه النظم البيئية وظائف أساسية؛ إن دورها في تخزين وتنظيم المياه العذبة على كوكب لا تتوفر فيه سوى أقل من 1% من المياه القابلة للاستخدام المباشر، هو أمر لافت للنظر للغاية. بالإضافة إلى ذلك، فإن قدرتها على تحسين جودة المياه، من خلال عملها كمرشحات طبيعية تحتجز الملوثات والمبيدات الزراعية والنفايات الصناعية بفضل مزيج التربة الغرينية (Silty soils) والغطاء النباتي الكثيف، تزيد من أهميتها.
كما تؤدي الأراضي الرطبة دوراً حيوياً في تقليل المخاطر الهيدرولوجية من خلال تخفيف حدة الفيضانات، وعواصف الأمواج (Storm surges)، وغيرها من الظواهر المناخية المتطرفة. وفي المجال المناخي، تستحق أراضي الخث (Peatlands) إشارة خاصة: فرغم أنها تشغل حوالي 3% فقط من مساحة اليابسة، إلا أنها تخزن ما يقرب من 30% من كربون اليابسة، وهو ضعف ما تخزنه جميع غابات العالم مجتمعة.
الأراضي الرطبة والمجتمع والأمن المائي: منافع في خطر
العلاقة بين الأراضي الرطبة ورفاهية الإنسان مباشرة وهيكلية. فهذه النظم البيئية هي مصدر للمياه العذبة والغذاء وسبل العيش لملايين الأشخاص حول العالم. ويعتمد أكثر من مليار شخص على أسماك الأراضي الرطبة كمصدر رئيسي للبروتين، كما تبني العديد من المجتمعات سبل عيشها على الأنشطة المرتبطة بهذه البيئات، مثل الصيد أو الزراعة أو حصاد الموارد الطبيعية.
يكتمل هذا البعد الاجتماعي بأهميتها الاقتصادية. يقدر تقرير توقعات الأراضي الرطبة العالمية 2025 أن 1.425 مليار هكتار من الأراضي الرطبة المتبقية على الكوكب تولد سنوياً ما بين 7.98 إلى 39.01 تريليون دولار من المنافع للمجتمع. وتتحقق هذه المنافع من خلال تقديم خدمات النظم البيئية الضرورية، والتوظيف، والفرص الاقتصادية، بما في ذلك تلك المرتبطة بالسياحة البيئية.
إن تدهور الأراضي الرطبة يقلل من قدرتها على تنظيم دورة المياه، ويدهور جودة المياه، ويزيد من هشاشة المجتمعات.
ومع ذلك، فإن هذا الأساس البيئي والاقتصادي والاجتماعي مهدد بشدة. وتحذر اتفاقية رامسار من أن الأراضي الرطبة قد فُقدت منذ عام 1970 بمعدل متوسط قدره 0.52% سنوياً بسبب التلوث الحضري والزراعي والصناعي، والتوسع العمراني، وتطوير البنية التحتية، وتكثيف الزراعة، وتجفيف الأراضي.
من منظور قطاع المياه، فإن هذا الاتجاه له تداعيات مباشرة على الأمن المائي. تدهور الأراضي الرطبة يقلل من قدرتها على تنظيم دورة المياه، ويفاقم سوء جودتها، ويزيد من عرضة المجتمعات للأحداث المتطرفة مثل الفيضانات والجفاف. كما يهدد سبل العيش المعتمدة على المياه ويضعف العلاقة التاريخية بين الناس وهذه النظم البيئية.
وبهذا المعنى، فإن فقدان الأراضي الرطبة ليس مجرد مشكلة بيئية، بل هو مشكلة اجتماعية واقتصادية، لأنه يؤثر على الوصول إلى المياه، ورفاهية الإنسان، وقدرة المجتمع على الصمود في ظل تغير المناخ وزيادة الضغط على موارد المياه.
المعرفة التقليدية ودور المجتمعات المحلية في إدارة الأراضي الرطبة
منذ عصور ما قبل التاريخ، تعايش البشر مع الأراضي الرطبة وطوروا أنظمة معرفية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمراقبة البيئة والاستخدام المستدام للموارد.
تعرف اتفاقية رامسار المعرفة التقليدية بأنها المعرفة التي تطورت من الخبرة المتراكمة عبر القرون، وتكيفت مع السياقات الثقافية والبيئية الخاصة، وانتقلت بشكل أساسي عبر الأساليب الشفهية من جيل إلى آخر.
تشمل هذه الأنظمة ممارسات مثل مراقبة العلامات في النباتات والحيوانات، والدورة الزراعية، والاستخدام الموسمي للمياه، وتطبيق التقنيات التقليدية، بالإضافة إلى المعايير الثقافية التي تحمي أنواعاً معينة أو مناطق حساسة. هذه معرفة عملية تهدف إلى الحفاظ على التوازن البيئي وتوافر الموارد على المدى الطويل.
لقد لعبت الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية تاريخياً دوراً رئيسياً في حماية الأراضي الرطبة. ووفقاً لتقرير رامسار، على الرغم من أنهم يشكلون حوالي 6% من سكان العالم، إلا أنهم يديرون أو يستخدمون أو يشغلون ما لا يقل عن 25% من مساحة اليابسة.
يبرز التركيز في اليوم العالمي للأراضي الرطبة 2026 أن هذه المعرفة ليست مجرد ملك للماضي، بل تشكل أدوات حية تمكن من الحفاظ على التوازن البيئي وتضمن الوصول المستدام للمياه. إن دمجها في استراتيجيات الحفظ المعاصرة لا يعني استبدال المعرفة العلمية، بل يعني استكمالها بمعلومات محلية وسياقية ذات قيمة عالية للإدارة التكيفية.
من منظور حوكمة المياه، من المهم الاعتراف بهذه الأنظمة المعرفية واحترامها، وتعزيز المشاركة الفعالة للمجتمعات المحلية في عمليات صنع القرار. إن تدهور الأراضي الرطبة لا يعرض النظم البيئية للخطر فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تأكل هذه المعارف الجماعية ويؤثر على سبل عيش وهوية من كانوا حراساً لها تاريخياً.
الأراضي الرطبة والمعرفة: مفاتيح إدارة المياه في سيناريو متغير
يقدم التركيز على اليوم العالمي للأراضي الرطبة 2026 إطاراً للتفكير في قطاع المياه، حيث يطرح الحاجة إلى إعادة النظر في إدارة هذه النظم البيئية من منظور أكثر تكاملاً—منظور لا يأخذ في الاعتبار القيم البيئية والاقتصادية فحسب، بل أيضاً أنظمة المعرفة التاريخية.
استدامة الأراضي الرطبة—ودورة المياه نفسها—تعتمد إلى حد كبير على القدرة على الجمع بين المعرفة العلمية، والإدارة الفنية، والمعرفة التقليدية.
في سياق يتسم بتغير المناخ والضغط المتزايد على الموارد المائية، ترسخ الأراضي الرطبة دورها كبنية تحتية طبيعية استراتيجية. وتؤكد رامسار أن تدهورها يضعف الأمن المائي على المدى المتوسط والطويل.
من هذا المنطلق، تضيف المعرفة التقليدية بعداً تكميلياً لإدارة المياه الحديثة. وبدون استبدال المناهج التقنية، توفر هذه المعرفة معلومات محلية متراكمة عبر الأجيال، وهي قيمة للغاية للإدارة التكيفية للأراضي الرطبة.
لا يقترح اليوم العالمي للأراضي الرطبة 2026 حلولاً جاهزة، بل هو دعوة لتوسيع الإطار الذي تُتخذ فيه القرارات. بالنسبة لقطاع المياه، يعني هذا الاعتراف بأن استدامة الأراضي الرطبة تعتمد على القدرة على دمج المعرفة العلمية والمعرفة التقليدية في سياق من التعاون والمسؤولية المشتركة.
تحليل اختصاصي من فريق مركز رؤى المياه – Water Insight Hub
إن تركيز اليوم العالمي للأراضي الرطبة لعام 2026 على “المعرفة التقليدية” يحمل رسالة واضحة لصناع القرار والخبراء: إن إدارة موارد المياه دون مراعاة سياقها الاجتماعي والتاريخي محكوم عليها بالفشل. في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، أدى تجاهل المعرفة المحلية مثل أنظمة “الأفلاج” في عمان، و”الفقارات” في المغرب والجزائر، وحقوق المياه التقليدية لصالح المشاريع الكبرى لنقل المياه وبناء السدود، إلى تفاقم أزمة المياه وجفاف الأراضي الرطبة الحيوية. ويعتقد المحللون في مركز رؤى المياه أن العودة إلى هذه المعرفة لا تعني التراجع إلى الوراء، بل تعني توطين تكنولوجيا المياه وتكييف الحلول الهندسية مع الحكمة المناخية الممتدة لآلاف السنين.
أحد أبرز الأمثلة على ضرورة هذا التغيير في التفكير هو وضع الأراضي الرطبة العابرة للحدود في منطقة الشرق الأوسط، مثل أهوار العراق أو الأنظمة المائية المشتركة. إن إحياء هذه النظم لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال الحلول الهندسية الصرفة، بل يتطلب “دبلوماسية الأراضي الرطبة” التي تكون فيها المشتركات الثقافية والمعرفة البدوية والقروية للشعوب على جانبي الحدود محوراً للمفاوضات. إن تجاهل هذا الرابط الثقافي والتركيز فقط على أرقام الأمتار المكعبة من المياه، لم يدمر النظام البيئي فحسب، بل هدد أيضاً الأمن الاجتماعي والمعيشي للمنطقة بأكملها.
التحدي الرئيسي في أخبار المياه والتقارير العلمية هو غالباً نقص البيانات التاريخية الدقيقة. المعرفة التقليدية هي مصدر غني ببيانات المراقبة طويلة المدى حول دورات الجفاف والوفرة. إن دمج هذه المعرفة مع تكنولوجيا المياه الحديثة مثل الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي يمكن أن يخلق نماذج تنبؤ أكثر دقة بكثير. يجب على الخبراء في مجال المياه أن يدركوا أن الصيادين والمزارعين المحليين هم “مجسات حية” للنظام البيئي. لذا، فإن الاستراتيجية المثلى لعام 2026 وما بعده هي إنشاء منصات تدمج بيانات الأقمار الصناعية مع المعرفة الضمنية للسكان المحليين لإحياء الأراضي الرطبة وضمان الأمن المائي في منطقة (MENA).
لقراءة الخبر الأصلي بقلم Laura F. Zarza اضغط هنا.
توصلت اتفاقية رامسار والمؤسسات الدولية إلى أن المقاربات الهندسية البحتة والإدارة الفوقية لم تكن كافية لحماية الأراضي الرطبة. فقد طوّرت المجتمعات المحلية والأصلية، عبر قرون طويلة، أساليب فعّالة للتكيّف مع تقلبات المياه والحفاظ على الموارد. ويأتي اختيار هذا الموضوع كمحاولة لدمج هذا الرصيد المعرفي التاريخي مع العلم الحديث، من أجل تحقيق استدامة أكبر في إدارة الموارد المائية والتصدي بصورة أكثر فاعلية لتغير المناخ.
تُعد دبلوماسية الأراضي الرطبة فرعًا من دبلوماسية المياه، وتركّز على الإدارة التعاونية للأراضي الرطبة المشتركة بين الدول. ونظرًا لأن المعرفة التقليدية والتراث الثقافي غالبًا ما يمتدان عبر الحدود السياسية—كما هو الحال لدى المجتمعات القاطنة على جانبي هور هامون—فإن التركيز على هذه القواسم الثقافية المشتركة يمكن أن يسهّل المفاوضات ويخفف من التوترات المائية. ويرى مركز بينش آب أن هذا النهج يمثل أداة ناعمة لمعالجة نزاعات مائية معقّدة.
تشير التقارير العالمية المذكورة في النص إلى أن الأراضي الرطبة توفر سنويًا خدمات بيئية تتراوح قيمتها بين 7.98 و39.01 تريليون دولار. وتشمل هذه القيمة تنقية المياه، والتحكم في الفيضانات، وتخزين الكربون، وتوفير الغذاء، والسياحة. إن تجاهل هذه القيمة الضخمة في الحسابات الاقتصادية للمشاريع العمرانية يُعد أحد الأسباب الرئيسية لتدهور الأراضي الرطبة، وما يترتب عليه من تهديد مباشر للأمن المائي.
تؤدي الأراضي الرطبة وظائف مشابهة للبنى التحتية الهندسية، ولكن بتكلفة أقل واستدامة أعلى. فهي تعمل كالإسفنج، تمتص المياه خلال فترات الفيضانات وتطلقها أثناء الجفاف، مما يسهم في تنظيم الجريان المائي. كما تساعد، بفضل غطائها النباتي وتربتها الخاصة، على إزالة الملوثات من المياه، فتعمل كمحطات طبيعية لمعالجة المياه. إن الحفاظ على هذه البنى التحتية يُعد عنصرًا أساسيًا في حلول إدارة المياه القائمة على الطبيعة.
تشمل أبرز التهديدات تغيير استخدامات الأراضي، وتجفيف المناطق لأغراض زراعية، والتلوث الصناعي والحضري، وبناء السدود بشكل غير مدروس. وتشير الإحصاءات إلى أن الأراضي الرطبة تتدهور بمعدل 0.52٪ سنويًا. ويُعد هذا المعدل المرتفع جرس إنذار لمتخصصي قطاع المياه، إذ إن فقدان الأراضي الرطبة يعني خسارة خط الدفاع الطبيعي في مواجهة تغير المناخ.