أزمة المياه في إيران: ضرورة للأمن القومي
«هذا التقرير هو ترجمة وتعريب لمقال نُشر بتاريخ 27 ديسمبر 2025 على موقع Geopolitical Monitor بقلم سكوت إن. رومانيوك، وإليزابيث إن. روزا، ولازلو سيزمن. يقدم مركز رؤية المياه هذا المحتوى بنهج تحليلي بهدف نشر الوعي المتخصص.»
إيران تواجه أزمة مياه (Water Crisis) غير مسبوقة. الأنهار التي كانت تمنح الحياة للمستوطنات والزراعة لقرون طويلة، تجف الآن، بينما يتم استغلال احتياطيات المياه الجوفية بما يتجاوز بكثير قدرتها على التجدد الطبيعي—لدرجة أن أكثر من 70% من الخزانات الجوفية الرئيسية في البلاد في حالة سحب جائر (Overdrawn). ووفقًا لعيسى بزرگزاده، المتحدث باسم صناعة المياه في إيران، وصلت العديد من السهول وخزانات السدود إلى مستويات حرجة. على مدى العقدين الماضيين، انخفضت موارد المياه المتجددة في البلاد بأكثر من الثلث، مما دفع إيران إلى حافة النقص المطلق في المياه. أصبحت دورات الجفاف (Drought Cycles) ظاهرة أكثر تكرارًا وشدة؛ حيث شهد الخريف الماضي واحدة من أكثر الفترات جفافًا في تاريخ إيران المعاصر خلال العشرين عامًا الماضية.
لعقود من الزمن، استندت سياسات التنمية الوطنية إلى فرضية أن الهندسة وسحب الموارد (Engineering and resource withdrawal) يمكن أن تتغلب على القيود البيئية. اليوم، تفرض تلك القيود نفسها، وينتقل النقص من الأطراف الريفية إلى المدن الكبرى، مما يضع ضغطًا إضافيًا على النظام السياسي الذي يعاني بالفعل من تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية متعددة. يُظهر تزايد ندرة المياه كيف ترتبط المياه بسبل العيش والثقة العامة والاستقرار، مما يخلق ضغوطًا تمتد من المجتمعات الريفية إلى المراكز الحضرية وتشكل السياسات الداخلية والإقليمية لإيران.
هذه الضغوط طويلة الأمد ليست مجرد نتاج لتغير المناخ. إنها انعكاس للقرارات السياسية المتراكمة، والخيارات المتعلقة بالبنية التحتية، والأولويات المجتمعية التي أعطت الأولوية باستمرار للزراعة المستهلكة للمياه، والتوسع الحضري، والتنمية الصناعية. لم يعد أمن الدول اليوم يُعرَّف فقط بالجيوش أو الأسلحة أو الحدود—بل أصبح يعتمد الآن على شيء أكثر جوهرية: المياه. إن فهم هذه الدوافع أمر حيوي لفهم كيف وصلت البلاد إلى الأزمة الحالية، حيث تتشابك نقاط الضعف الداخلية مع التوترات الإقليمية المتزايدة حول الموارد المائية المشتركة.
النقاط الرئيسية والمقترحات الاستراتيجية
- الوضع الأحمر للخزانات الجوفية: أكثر من 70% من الخزانات الجوفية الرئيسية في إيران في وضع حرج بسبب السحب الجائر.
- فشل السياسات الإنشائية: الاعتماد المطلق على الهندسة وبناء السدود دون مراعاة التخطيط الإقليمي أدى إلى تفاقم الأزمة.
- تحدي الاكتفاء الذاتي: أدت سياسات الاكتفاء الذاتي الزراعي، دون مراعاة للقيود البيئية، إلى استنزاف الموارد المائية الاستراتيجية.
- الهجرة والتهميش الحضري: أدت التوترات المائية إلى تسريع وتيرة الهجرة من الأرياف إلى المدن، مما خلق بؤرًا للاضطرابات.
- السياسة المائية الإقليمية (الهيدروبوليتيك): أصبح التنافس على الموارد المائية المشتركة (خاصة مع الجيران الشرقيين والغربيين) أحد الركائز الأساسية للسياسة الخارجية.
- هبوط الأرض: أدى السحب الجائر للمياه الجوفية إلى هبوط أرضي لا رجعة فيه، مما يهدد البنية التحتية الحيوية.
كيف وصلت إيران إلى هذه النقطة؟
على الرغم من أن موجات الجفاف قد فاقمت الوضع في إيران، إلا أن العديد من الدراسات والتقارير الرسمية تشير إلى أن الأسباب الرئيسية تتعلق بالسياسات والبنية التحتية. إن التزام إيران طويل الأمد بالاكتفاء الذاتي الزراعي—الذي أصبح ضرورة بسبب العقوبات الدولية—أعطى الأولوية للأمن الغذائي الوطني على الاستدامة البيئية. تم تشجيع زراعة محاصيل مثل الأرز والقمح وبنجر السكر حتى في المناطق غير المناسبة لاستهلاكها العالي للمياه. كما شجع تسعير المياه المدعوم والطاقة الرخيصة على الري المفرط، مما أدى إلى استنزاف الأنهار والخزانات الجوفية.
أدى التوسع الحضري والصناعي، مع معدل تحضر يبلغ حوالي 77% في إيران، إلى مضاعفة الضغوط على الموارد المائية. أدى إصدار تراخيص لمئات الآلاف من الآبار، التي يفتقر الكثير منها إلى الإشراف المناسب، إلى تسريع سحب المياه الجوفية بمعدلات تتجاوز بكثير معدلات التجدد الطبيعي. لفهم أبعاد هذه التحديات بشكل أعمق، نقترح قراءة تقرير آخر مستجدات أزمة المياه في إيران 1404؛ تحليل الأمن المائي وخطر “يوم الصفر”.
في طهران، تؤدي البنية التحتية المائية المتهالكة، بما في ذلك أنظمة القنوات القديمة والشبكات البالية، إلى تسرب كبير للمياه، مما يفاقم النقص حتى في سنوات هطول الأمطار العادية. وقد أدى ذلك إلى طرح خطة مؤخرًا لنقل العاصمة إلى منطقة أقرب إلى موارد المياه الوفيرة في مكران على طول بحر عمان. في بعض المناطق، انخفض منسوب المياه الجوفية بشدة لدرجة أن هبوط الأرض (Land Subsidence) أصبح لا رجعة فيه، مما ألحق أضرارًا بالطرق والمباني والأراضي الزراعية. السياسات التي كان يُقصد بها ضمان المرونة الاقتصادية أدت بدلاً من ذلك إلى الإفراط في استغلال الموارد. لقد أكد الخبراء في مركز رؤية المياه دائمًا على ضرورة إعادة النظر في هذه السياسات.
ندرة المياه: محرك للاضطرابات وعدم المساواة الاجتماعية
تهدد ندرة المياه بشكل متزايد التماسك الاجتماعي والاستقرار الوطني. شهدت المجتمعات الريفية التي تعتمد على الري جفاف بساتينها وتناقص أعداد ماشيتها، مما أدى إلى موجات من الهجرة إلى المناطق الحضرية المكتظة. هذه الضغوط البيئية أدت إلى تآكل سبل العيش التقليدية وأشعلت فتيل السخط السياسي، كما شوهد في مظاهرات أصفهان وخوزستان ومحافظات أخرى تحت شعار «نحن عطشى!». غالبًا ما يتهم عامة الناس في المنطقة السلطات بتخصيص المياه بشكل غير عادل للمستخدمين الصناعيين أو مناطق معينة، بينما غالبًا ما تعطي الاستجابات الحكومية الأولوية للاحتواء قصير الأجل.
تفاقم ندرة المياه أيضًا من أوجه عدم المساواة الإقليمية والعرقية القائمة منذ فترة طويلة. أدت خطط نقل المياه بين الأحواض—من خوزستان وجهارمحال وبختياري إلى المحافظات الوسطى مثل أصفهان ويزد—إلى تعميق مشاعر الاستياء في المناطق الطرفية. تعتبر المجتمعات المحلية في الجنوب الغربي أن هذه المشاريع تخدم المراكز الصناعية في الهضبة الوسطى، مما يعزز تصورات عدم المساواة في توزيع الموارد. أدت الاحتجاجات المختلفة في هذه المناطق، لا سيما احتجاج مزارعي أصفهان في أبريل 2025، في بعض الأحيان إلى توترات تُظهر كيف يتقاطع التوتر الهيدرولوجي مع الهوية الإقليمية وأوجه عدم المساواة الهيكلية. مع تسارع التدهور البيئي، هناك خطر من أن تتحول ندرة المياه من محرك متقطع للاضطرابات إلى دافع مستمر للتوتر الداخلي.
هشاشة البنية التحتية الحضرية والريفية
المناطق الحضرية، التي كان يُعتقد في السابق أنها محصنة ضد الإجهاد المائي، تواجه تحديات متزايدة. تعتمد المدن الكبرى على خزانات وخطوط أنابيب متصلة ببعضها البعض، وهي معرضة للتقلبات المناخية والاضطرابات على مسافات طويلة. تعتمد طهران، التي يقطنها ما بين 9 إلى 10 ملايين نسمة (وحوالي 15 مليونًا مع الضواحي)، بشكل كبير على الخزانات الجبلية التي يهددها انخفاض الغطاء الثلجي وارتفاع درجات الحرارة. وبالمثل، واجهت مدن كبرى مثل مشهد وشيراز انقطاعات دورية للمياه، بينما شهدت عواصم المحافظات في المناطق الجافة أحيانًا انقطاعًا كاملاً لإمدادات المياه. والجدير بالذكر أن نهر زاينده رود—الذي يعني “النهر المانح للحياة”—والذي كان يومًا ما القلب النابض للسياحة والزراعة في أصفهان، ظل جافًا لعدة سنوات.
بالتزامن مع هذه الأحداث، يتسارع التدهور الريفي مع فشل أنظمة الري، حيث تصبح القرى مهجورة عمليًا بعد جفاف الآبار. تهاجر الأجيال الشابة إلى المدن أو إلى خارج البلاد بحثًا عن عمل، مما يضعف المعرفة الزراعية التقليدية وشبكات الحوكمة المحلية. هذه التغييرات تعقد التخطيط الوطني: فقد اعتمدت استراتيجية المياه الإيرانية لفترة طويلة على فكرة أن قطاعًا زراعيًا كبيرًا يمكن أن يدعم السيادة الغذائية. ومع ذلك، مع اختفاء المزارع، يصبح الحفاظ على هذه الفكرة أكثر صعوبة، مما قد يؤدي إلى تحول استراتيجي نحو الاعتماد بشكل أكبر على الواردات.
تهديد الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي الزراعي
لقد حدت ندرة المياه بشكل أساسي من هدف إيران طويل الأمد المتمثل في الاكتفاء الذاتي الزراعي. مع انخفاض منسوب الأنهار والاستغلال المفرط للخزانات الجوفية، لم يعد بإمكان البلاد ري مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية بشكل موثوق. تتنافس الآن المحاصيل المستهلكة للمياه مثل القمح والأرز وبنجر السكر على الموارد المتناقصة، وأصبحت غلة المحاصيل غير قابلة للتنبؤ بشكل متزايد. نتيجة لذلك، تواجه إيران صعوبة في إنتاج ما يكفي من الغذاء لإطعام سكانها البالغ عددهم حوالي 92 مليون نسمة دون اللجوء إلى الواردات.
السياسات التي كانت تعطي الأولوية في السابق للإنتاج المحلي لأسباب استراتيجية وأيديولوجية تخلق الآن توترًا بين أهداف الأمن الغذائي الوطني والواقع البيئي. إن الاعتماد المتزايد على الحبوب المستوردة والسلع الأساسية الأخرى يعرض البلاد لتقلبات السوق العالمية، والتي تتفاقم بسبب العقوبات الدولية والضغوط الدبلوماسية وارتفاع الأسعار المحلية. هذه الضغوط الاقتصادية تعقد التخطيط الزراعي وتجبر صانعي السياسات على الموازنة بين الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي والقيود البيئية والتكاليف المتزايدة.
المياه كأداة للسلطة وجيوسياسة منابع الأنهار
ندرة المياه لا تعمل فقط داخل الحدود. في جميع أنحاء الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب آسيا، تتشابك المياه مع الجيوسياسة (Geopolitics). في غياب معاهدات دولية شاملة بشأن الأنهار، يُترك تقاسم المياه لاتفاق الدول المتشاطئة نفسها. نظرًا للماضي الاستعماري في المنطقة والاستقلال الحديث نسبيًا للدول، دخل موضوع تقاسم المياه بؤرة الاهتمام الإقليمي في وقت متأخر نسبيًا. وقد زاد تغير المناخ من هذه الضرورة، خاصة وأن السيطرة على منابع الأنهار (Headwaters) يمكن أن تتحول إلى قوة تفاوضية سياسية.
تُظهر العلاقات بين أفغانستان وإيران كيف أن التنمية في أعالي النهر لها تداعيات استراتيجية. لا تنظر طهران إلى المشاريع على نهر هلمند على أنها مجرد بنية تحتية، بل كإعلان لسيادة الجارة. يمثل كل سد تهديدًا بتقليل تدفق المياه إلى سيستان وبلوشستان، مما يؤدي إلى توتر دبلوماسي. تظهر التوترات أيضًا بين أفغانستان وباكستان حول نهر كابول. بعيدًا عن الري، استُخدمت التنمية في أعالي النهر تاريخيًا كأداة سياسية: يمكن استخدام تقييد تدفق المياه للمستخدمين في أسفل النهر للضغط من أجل الحصول على تنازلات في المفاوضات التجارية أو الأمنية. في هذه المواقف، تملي الهيدرولوجيا قوة المساومة. ليس من المستغرب أن تتضمن “سياسة الجوار” الجديدة المفاوضات مع الجيران تقاسم المياه كأحد الموضوعات الرئيسية.
محدودية الخيارات والفجوات المعلوماتية
كان الاكتفاء الذاتي مبدأً أيديولوجيًا منذ عام 1979، لكن الاتجاهات الحالية تشير إلى أنه من الصعب تلبية الطلب المحلي دون دعم خارجي. تشير المقترحات لاستيراد المياه أو التوسع في تحلية المياه (Desalination) إلى واقع جديد. تتوسع مشاريع تحلية المياه على طول السواحل الجنوبية، لكن البنية التحتية وتكاليف الطاقة والآثار البيئية تحد من قابليتها للتوسع. وفي الوقت نفسه، يخلق استيراد المياه من الدول المجاورة نقاط ضعف جيوسياسية.
تعتمد الإدارة الفعالة على الشفافية، لكن بيانات المياه غالبًا ما تُعتبر سرية. نادرًا ما يتم مشاركة التقييمات البيئية بالكامل مع الجمهور أو الباحثين المستقلين، مما يخلق حالة من عدم اليقين بشأن الظروف الحقيقية. هذا النقص في الشفافية يشجع على التكهنات، وتلقي المجتمعات باللوم على سوء الإدارة. توجد قدرات مؤسسية وخبرات علمية قوية داخل إيران، لكن العقبة الرئيسية سياسية: الاعتراف بالحجم الكامل للتدهور يتطلب إعادة النظر في الأولويات.
تغير المناخ، العامل المضاعف، والحدود الاستراتيجية
تفاقم الضغوط المناخية تحديات المياه. تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة التبخر، ويؤدي انخفاض الغطاء الثلجي إلى تعطيل تغذية الأنهار. انخفض هطول الأمطار في المناطق الحيوية بنحو 85%، ويشكل عدم قابليته للتنبؤ تحديات خطيرة لإدارة الموارد المائية. لجأت إيران إلى تلقيح السحب، لكن النتائج كانت محدودة. تزيد الظواهر المتطرفة مثل الفيضانات وموجات الحر من الضغط على البنية التحتية.
لا تستطيع إيران السيطرة على الدوافع المناخية، لكن خيارات السياسة هي التي تحدد شدة الآثار. تحول الإخفاقات في الحوكمة وإدارة الموارد التقلبات الطبيعية إلى أزمات شاملة. وقد خلق هذا تحديًا كبيرًا تم تناوله بالتفصيل في مقال مواجهة الروايات في أزمة المياه الإيرانية؛ تغير المناخ أم سوء الإدارة في حوكمة المياه؟. بدون استراتيجيات تكيف منسقة، يعمل تغير المناخ كـعامل مضاعف للقوة (Force Multiplier). تُظهر معضلة الأمن المائي كيف تغير الحقائق البيئية الأولويات الوطنية. لقد انتهى العصر الذي كان بإمكان الدولة فيه العمل بشكل مستقل عن القيود الهيدرولوجية. أصبحت المياه الآن هي الحد الرئيسي للقدرات الداخلية والمكانة الإقليمية لإيران.
تحليل حصري لفريق مركز رؤية المياه (Water Insight Hub)
«نحن نقف عند نقطة في التاريخ حيث يمكن لتقنية الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات أن تحدد الفارق بين الانهيار والصمود في قطاع الموارد المائية. إن الانتقال من الحوكمة التقليدية إلى الإدارة القائمة على البيانات ليس خيارًا، بل هو السبيل الوحيد لبقاء الحضارة في الهضبة الإيرانية.»
يرسم التقرير أعلاه صورة مقلقة ولكنها واقعية لوضع الموارد المائية في إيران. يعتقد المحللون والخبراء في مركز رؤية المياه أن الكلمة المفتاحية الرئيسية في هذا النص هي تغيير مفهوم “الأمن”. حتى وقت قريب، كان يُنظر إلى الأمن المائي على أنه جزء من الخدمات العامة، ولكنه أصبح الآن في صميم “الأمن القومي” و “الاستقرار الإقليمي”. الإشارة الدقيقة في النص إلى “الهندسة وسحب الموارد” كجذر للأزمة، هي نقد صريح لنموذج “المهمة الهيدروليكية” الذي ساد إدارة المياه في البلاد لسنوات. إن بناء السدود العشوائي ونقل المياه دون مراعاة القدرة الاستيعابية البيئية، على الرغم من أنها كانت حلولاً مؤقتة، إلا أنها أدت إلى تقليل مرونة الأرض على المدى الطويل.
من منظور التكنولوجيا والابتكار، تمثل هذه الأزمة فرصة لإعادة تعريف الزراعة والصناعة. يشير النص بشكل صحيح إلى انخفاض هطول الأمطار بنسبة 85% في المناطق الحيوية. في مثل هذه الظروف، لم يعد للزراعة التقليدية مبرر اقتصادي أو أمني. الحل يكمن في التحرك السريع نحو “الزراعة الدقيقة” (Precision Agriculture)، واستخدام المياه غير التقليدية (مياه الصرف الصحي المعالجة)، وتطوير الزراعة في البيوت المحمية عالية التقنية. تظهر تقنيات الاستشعار عن بعد ونماذج المناخ أنه بدون “بيانات شفافة” و “خرائط استهلاك دقيقة”، فإن أي تخطيط محكوم عليه بالفشل. إن السرية الإحصائية التي أشار إليها النص هي أكبر عدو للإدارة الذكية للمياه.
على مستوى دبلوماسية المياه، يجب على إيران تغيير استراتيجيتها من “رد الفعل” إلى “الفعل”. يتطلب الجوار مع دول تعاني هي الأخرى من توترات مائية (مثل أفغانستان والعراق وتركيا) تحديد مصالح مشتركة تتجاوز المياه. يوضح تحليلنا أنه إذا لم تتمكن إيران من تحقيق توازن بين الموارد والاستهلاك في العقد القادم، فإن ظاهرة “الهجرة المناخية” التي أشار إليها النص، ستغير التركيبة السكانية والأمنية للبلاد بشكل لا رجعة فيه.
دروس مستفادة لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)
إن الأزمة الإيرانية ليست حالة معزولة، بل هي بمثابة إنذار مبكر ودرس عملي للدول الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تواجه تحديات مماثلة. الدروس المستفادة من هذه التجربة يمكن أن تساعد في تشكيل سياسات مائية أكثر استدامة ومرونة في جميع أنحاء المنطقة:
- تجاوز الحلول الإنشائية الضخمة: تجربة إيران مع بناء السدود المكثف هي تحذير صارخ لدول مثل مصر (في قضية سد النهضة الإثيوبي) والعراق وسوريا (المتأثرتين بالسدود على نهري دجلة والفرات) بأن الحلول الهندسية واسعة النطاق دون إدارة متكاملة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم ندرة المياه على المدى الطويل.
- مراجعة سياسات الاكتفاء الذاتي الزراعي: أدى السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي الزراعي إلى استنزاف احتياطيات المياه الاستراتيجية في إيران. هذا درس حاسم لدول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي استثمرت تاريخيًا في زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه على الرغم من مناخها الجاف. التحول نحو المحاصيل الأقل استهلاكًا للمياه، والزراعة الدقيقة، والاعتماد على الواردات الغذائية لبعض السلع الأساسية هو مسار أكثر استدامة.
- الصلة بين المياه والاستقرار الاجتماعي: تُظهر الاحتجاجات في المحافظات الإيرانية الصلة المباشرة بين سوء إدارة المياه والاضطرابات الاجتماعية. هذا الأمر وثيق الصلة بدول مثل الأردن، إحدى أكثر دول العالم ندرة في المياه، واليمن، حيث تعد النزاعات على المياه محركًا رئيسيًا للعنف المحلي. إن ضمان التوزيع العادل للمياه أمر بالغ الأهمية للاستقرار الوطني.
- أهمية الدبلوماسية المائية الاستباقية: تؤكد توترات إيران مع أفغانستان بشأن نهر هلمند على ضرورة وجود دبلوماسية مائية استباقية. ينطبق هذا بشكل مباشر على المنطقة بأكملها، وخاصة النزاعات التي تشمل مصر والسودان وإثيوبيا حول نهر النيل، والقضايا طويلة الأمد بين تركيا وسوريا والعراق حول الأنهار المشتركة.
- خطر هبوط الأرض الصامت: إن هبوط الأرض الذي لا رجعة فيه والذي شوهد في إيران بسبب الإفراط في استخراج المياه الجوفية يمثل تهديدًا صامتًا للمراكز الحضرية في جميع أنحاء المنطقة. يجب على المدن في المملكة العربية السعودية وليبيا ودول الخليج الأخرى التي تعتمد بشكل كبير على طبقات المياه الجوفية غير المتجددة أن تأخذ هذا التحذير على محمل الجد وتنفذ لوائح صارمة بشأن ضخ المياه الجوفية لحماية بنيتها التحتية الحيوية.
- ضرورة الشفافية في البيانات: أدى غياب البيانات الشفافة في إيران إلى إعاقة الإدارة الفعالة. بالنسبة لجميع دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعد اعتماد سياسة شفافية البيانات في قطاع المياه أمرًا أساسيًا. وهذا يمكّن من وضع نماذج علمية أفضل، ويبني ثقة الجمهور، ويسمح بوضع سياسات أكثر فاعلية تعتمد على البيانات، بعيدًا عن القرارات ذات الدوافع السياسية.
لقراءة المزيد انقر هنا.