الإفلاس المائی العالمی: تحذیر علماء الأمم المتحده من عصر جدید للأزمات وإداره موارد المیاه
مقدمه
یواجه العالم أزمه غیر مسبوقه فی مجال إداره موارد المیاه؛ أزمه تتجاوز المفهوم التقلیدی لـ “أزمه المیاه” (Water Crisis). وفقاً لـ التقریر الجدید الصادر عن معهد المیاه والبیئه والصحه بجامعه الأمم المتحده (UNU-INWEH)، دخل کوکبنا مرحله جدیده تُعرف باسم الإفلاس المائی العالمی (Global Water Bankruptcy). هذا المفهوم هو تحذیر صریح یشیر إلى أن العدید من الأنظمه المائیه فی العالم قد تضررت بشکل لا یمکن إصلاحه نتیجه سنوات من الاستخدام المفرط والتلوث. الأنهار والبحیرات والمیاه الجوفیه التی کانت غنیه یوماً ما، باتت الآن عاجزه عن تلبیه احتیاجات السکان والأنظمه البیئیه، وفی مناطق عدیده، تعمل هذه الأنظمه فی «حاله ما بعد الأزمه» (Post-crisis state)؛ حیث لم یعد من الممکن التعافی والعوده إلى الظروف السابقه. ویرى المحللون وخبراء قطاع المیاه فی مرکز بصیره المیاه (Water Insight Hub) أن فهم هذا المفهوم ضروری لمستقبل الأمن المائی، وأن الدراسه المستمره لـ التقاریر التحلیلیه فی هذا الصدد أمر لابد منه لاستیعاب عمق الکارثه.
النقاط الرئیسیه للتقریر
- الإفلاس المائی: تجاوز العالم مرحله الندره ودخل مرحله الإفلاس، حیث تم استهلاک الموارد المائیه المتجدده وغیر المتجدده (مثل المیاه الجوفیه والمجالی الجلیدیه) بما یفوق قدرتها على التجدد.
- تغیر غیر قابل للاسترداد: الأضرار التی لحقت بالأنظمه البیئیه المائیه (مثل جفاف الأراضی الرطبه وهبوط الأرض) لا یمکن إصلاحها على المقیاس الزمنی البشری.
- إداره الإفلاس بدلاً من إداره الأزمه: النهج التقلیدی لمحاوله إعاده النظام إلى حالته السابقه لم یعد مجدیاً؛ هناک حاجه لاستراتیجیات التکیف مع الواقع الهیدرولوجی الجدید.
- انعدام الأمن المائی الواسع: یعیش ما یقرب من ثلاثه أرباع سکان العالم فی بلدان تُصنف على أنها غیر آمنه مائیاً أو غیر آمنه للغایه.
- دور الحوکمه والتکنولوجیا: السبیل للخروج من المأزق یکمن فی دمج تکنولوجیا المیاه والابتکار والدبلوماسیه ضمن الأطر الدولیه.
مفهوم الإفلاس المائی العالمی: ما وراء الأزمه العادیه
مصطلح الإفلاس المائی (Water Bankruptcy) یشبه الإفلاس المالی. فکما أن الشرکه أو الفرد الذی ینفق أکثر من موارده قد یواجه الإفلاس، فإن العدید من الأنظمه المائیه الآن قد استُهلکت بما یتجاوز قدرتها ومیزانیتها الهیدرولوجیه. على مدى عقود، سحبت المجتمعات من المیاه أکثر مما یمکن للطبیعه تعویضه بشکل مستدام، مما أدى إلى استنزاف التدفقات المتجدده السنویه والاحتیاطیات غیر المتجدده مثل المیاه الجوفیه (Groundwater). تبعات هذا الأمر واسعه النطاق وغیر قابله للإصلاح على المقیاس الزمنی البشری؛ الأحواض المائیه التی کانت مستدامه بدأت تجف، والبحیرات تتقلص، والأراضی الرطبه التی کانت تعمل کمصدات طبیعیه ضد الفیضانات والجفاف تختفی بسرعه مقلقه. هذا الوضع یظهر أن إداره موارد المیاه تتطلب مراجعه جذریه من قبل کل مرکز لتحلیل المیاه والمؤسسات السیاساتیه على المستوى العالمی.
ما یجعل هذا الوضع أکثر خطوره هو الطبیعه المرکبه والمعقده لهذه الأزمه. ندره المیاه (Water Scarcity) لم تعد تتعلق فقط بقله الأمطار أو الجفاف الموسمی؛ بل أصبحت مدفوعه بشکل متزاید بالإجراءات البشریه مثل الاستخراج المفرط، التلوث، والممارسات الخاطئه فی استخدام الأراضی. استکشاف أثر الرقمنه على الأمن المائی العالمی یمکن أن یسلط الضوء على جوانب تأثیر التکنولوجیا فی إداره هذه الأنواع من الجفاف.
«دخل کوکب الأرض مرحله جدیده تُوصف بالإفلاس المائی العالمی. إن مفهوم الإفلاس المائی لیس مجرد دعوه لتحسین إداره الأزمات، بل هو اعتراف بتغیر دائم فی کیفیه رؤیتنا وحوکمتنا لموارد المیاه.»
تحول النموذج: الانتقال من إداره الأزمه إلى إداره الإفلاس
یؤکد التقریر أن مفهوم الإفلاس المائی یتطلب تغییراً دائماً فی حوکمه المیاه (Water Governance). لم یعد بإمکاننا التعامل مع المیاه کمورد غیر محدود یمکن استعادته بعد کل صدمه. فی کثیر من الأماکن، لم تعد الخطوط الأساسیه للمیاه (Water Baselines) السابقه موجوده. النهج القدیم لإداره الأزمات، الذی کان ینفذ حلولاً قصیره الأجل لإعاده النظام إلى حالته السابقه، لم یعد کافیاً. بدلاً من ذلک، یجب على العالم التحرک نحو «إداره الإفلاس»؛ وهو إطار جدید یجمع بین تقلیل الأضرار الإضافیه والتکیف طویل الأمد مع الواقع الهیدرولوجی والبیئی الجدید.
تحلیل خاص من فریق مرکز بصیره المیاه (Water Insight Hub) لمنطقه MENA
یمثل تقریر “الإفلاس المائی العالمی” جرس إنذار شدید اللهجه لدول منطقه الشرق الأوسط وشمال أفریقیا (MENA)، التی استهلکت مواردها الحیویه لسنوات تحت وهم “الأزمه المؤقته” وأمل عوده سنوات الوفره المطریه. إن الوضع الحالی فی معظم الأحواض المائیه فی المنطقه یتطابق بشکل مثیر للقلق مع تعریف “الإفلاس”؛ حیث لم تکتفِ الموارد الاستراتیجیه للمیاه الجوفیه بالانخفاض فحسب، بل إن البنیه الجیولوجیه وسعه التخزین فیها قد دُمرت بسبب هبوط التربه (Land Subsidence).
نحن فی مرکز بصیره المیاه نؤمن بأن قبول مصطلح “الإفلاس” بدلاً من “الأزمه”، رغم مرارته، هو الخطوه الأولى لتغییر مسار السیاسات. عندما یفلس نظام ما، لا تعود استراتیجیات التنمیه القائمه على النمو مجدیه، بل یجب التحول نحو “إداره البقاء” و“التعدیل الهیکلی”. وهذا یعنی الاعتراف بأن بعض القدرات الزراعیه والصناعیه کانت مبنیه على موارد لم تعد موجوده فعلیاً، ومحاوله إحیائها بالأسالیب التقلیدیه تؤدی فقط إلى إهدار ما تبقى من موارد ضئیله. لفهم هذا الوضع بشکل أعمق، یُنصح بالاطلاع على آخر تحدیثات وضع المیاه فی المنطقه.
فی هذه المرحله الانتقالیه الصعبه، تلعب تکنولوجیا المیاه والابتکار دوراً حیویاً لا یمکن الاستغناء عنه. إداره الإفلاس تتطلب بیانات دقیقه ولحظیه لا یمکن الحصول علیها إلا من خلال الرقمنه، الاستشعار عن بعد، والذکاء الاصطناعی. لم یعد بإمکاننا إداره المیاه بتقدیرات عامه وإحصاءات سنویه؛ نحن بحاجه إلى محاسبه دقیقه لکل قطره.
إن تقنیات مثل المعالجه المتقدمه لمیاه الصرف لإعاده التدویر الصناعی، والزراعه الدقیقه لتحقیق أقصى قدر من الکفاءه، وأنظمه التوزیع الحضریه الذکیه، لم تعد أدوات رفاهیه، بل هی السبیل الوحید لاستمرار الحیاه فی عصر الإفلاس. یجب على متخصصی المیاه توجیه ترکیزهم من المنشآت الضخمه (مثل بناء السدود) إلى الحلول البرمجیه والتکنولوجیه. مستقبل الأمن المائی مرهون بقدرتنا على التکیف مع هذا الواقع المریر واستخدام أحدث المعارف لإداره النقص، ولیس إنکار الواقع الذی تملیه علینا الأرض بلغه الجفاف وهبوط التربه.
کاتب الخبر: أولیفیا تیمبست (Olivia Tempest)
لقراءه النص الکامل للخبر اضغط هنا.
للحصول على تقریر الأمم المتحده اضغط هنا.